ما هو تحليل الأعمال؟ دليل شامل للمبتدئين
في كل منظمة توجد مشكلات تحتاج إلى حل، وفرص يمكن استثمارها، وعمليات يمكن تحسينها، وقرارات قد يترتب عليها الكثير من الوقت والمال.
لكن السؤال الأهم ليس دائمًا: ما الحل؟
بل قد يكون:
ما المشكلة الحقيقية؟ وما الذي نحتاج إلى تغييره؟ وما الحل الذي سيحقق أكبر قيمة؟
هنا يأتي دور تحليل الأعمال (Business Analysis).
إذا كنت تسمع عن تحليل الأعمال للمرة الأولى، فهذا الدليل سيعطيك صورة واضحة عن المجال، ولماذا تحتاجه المنظمات، وماذا يفعل محلل الأعمال، وكيف تبدأ رحلتك فيه.
ما هو تحليل الأعمال؟
تحليل الأعمال هو ممارسة تساعد المنظمات على فهم احتياجاتها وتحديد التغييرات المناسبة التي تحقق قيمة.
وبصيغة أبسط:
تحليل الأعمال هو الانتقال المنهجي من فهم المشكلة أو الفرصة إلى تحديد التغيير المناسب الذي يحقق قيمة.
وهذا يعني أن تحليل الأعمال لا يبدأ من الحل.
فعندما تقول الإدارة مثلًا:
نحتاج إلى نظام إلكتروني جديد.
لا يفترض محلل الأعمال مباشرة أن النظام هو الحل المناسب، بل يبدأ بالأسئلة:
لماذا نحتاج إلى النظام؟
ما المشكلة الحالية؟
من المتأثر بها؟
كيف تتم العملية اليوم؟
ما أسباب المشكلة؟
ما النتائج التي نريد الوصول إليها؟
ما الخيارات المتاحة؟
أي خيار يحقق القيمة المطلوبة؟
وقد يكتشف في النهاية أن المنظمة لا تحتاج إلى نظام جديد أصلًا، وإنما إلى تحسين إجراء قائم أو تعديل سياسة أو تدريب الموظفين أو تطوير جزء من النظام الحالي.
وهنا تظهر قيمة تحليل الأعمال.
لماذا تحتاج المنظمات إلى تحليل الأعمال؟
تخيل أن شركة تواجه انخفاضًا في رضا العملاء.
قد تقرر الإدارة فورًا شراء نظام جديد لإدارة علاقات العملاء.
لكن بعد التحليل يتضح أن المشكلة الحقيقية ليست في النظام، وإنما في أن طلبات العملاء تنتقل بين عدة إدارات دون مسؤوليات واضحة، مما يؤدي إلى تأخر الاستجابة.
في هذه الحالة، شراء النظام قد يكلف الشركة الكثير دون معالجة السبب الحقيقي للمشكلة.
تحليل الأعمال يساعد المنظمة على الانتقال من:
المشكلة الظاهرة ← فهم الوضع الحالي ← تحديد السبب والاحتياج ← دراسة البدائل ← اختيار التغيير المناسب ← تحقيق القيمة
ولهذا يمكن أن يساهم تحليل الأعمال في تقليل القرارات المبنية على الافتراضات.
ماذا يفعل محلل الأعمال؟
محلل الأعمال Business Analyst يساعد المنظمة على فهم ما تحتاج إليه قبل وأثناء تنفيذ التغيير.
ومن أبرز أعماله:
فهم المشكلة أو الفرصة.
تحليل الوضع الحالي.
تحديد الوضع المستقبلي المطلوب.
التعرف على أصحاب المصلحة.
استنباط الاحتياجات والمتطلبات منهم.
تحليل المعلومات والمتطلبات.
تحديد الخيارات الممكنة.
المساهمة في تقييم الحلول.
إدارة المتطلبات والتغييرات المرتبطة بها.
التحقق من أن الحل يحقق القيمة المتوقعة.
لذلك فمحلل الأعمال ليس مجرد شخص يكتب المتطلبات.
كتابة المتطلبات جزء من عمله، وليست كل عمله.
مثال مبسط على تحليل الأعمال
لنفترض أن لدينا متجرًا إلكترونيًا، ولاحظت الإدارة أن عددًا كبيرًا من العملاء يضيفون المنتجات إلى السلة لكنهم لا يكملون عملية الشراء.
قد يقول أحدهم:
"نحتاج إلى إعادة تصميم الموقع."
لكن محلل الأعمال لا يبدأ بإعادة التصميم.
بل يبدأ بالتحليل.
1. فهم المشكلة
ما نسبة العملاء الذين يغادرون أثناء عملية الشراء؟
وفي أي خطوة يغادرون؟
2. تحليل الوضع الحالي
يكتشف المحلل أن إتمام الطلب يتطلب المرور عبر سبع خطوات.
3. جمع المعلومات
يتحدث مع العملاء وخدمة العملاء وفريق المبيعات والتقنية، ويراجع البيانات المتاحة.
4. تحديد الأسباب
يتضح أن أبرز المشكلات تتمثل في طول إجراءات الشراء وظهور تكلفة الشحن في مرحلة متأخرة.
5. تحديد الوضع المستقبلي
تريد الشركة جعل تجربة الشراء أبسط وتقليل نسبة التخلي عن السلة.
6. دراسة الخيارات
قد تشمل البدائل:
تقليل خطوات الشراء، أو إظهار تكلفة الشحن مبكرًا، أو إضافة الشراء كزائر، أو إجراء تحسينات تقنية أخرى.
7. التوصية
تتم مقارنة البدائل وفق التكلفة والقيمة والمخاطر والجدوى.
8. قياس النتائج
بعد تطبيق التغيير، تتم متابعة مؤشرات مثل نسبة إكمال عمليات الشراء ومعدل التخلي عن السلة.
هذا مثال مبسط على طريقة التفكير التي يقوم عليها تحليل الأعمال.
هل تحليل الأعمال يقتصر على الأنظمة التقنية؟
لا.
وهذه من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا.
يمكن تطبيق تحليل الأعمال على تغييرات كثيرة، مثل:
الأنظمة التقنية: تطوير تطبيق أو منصة أو نظام داخلي.
العمليات: تحسين إجراءات تقديم خدمة معينة.
السياسات: تطوير سياسة أو آلية عمل.
الخدمات: إعادة تصميم تجربة المستفيد.
الهيكل التنظيمي: إعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات.
المنتجات: تطوير منتج جديد أو تحسين منتج قائم.
الاستراتيجية: دراسة فرص جديدة أو خيارات للتغيير.
لذلك يمكن استخدام تحليل الأعمال في الجهات الحكومية والشركات والمنظمات غير الربحية والمشروعات الناشئة وغيرها.
ما الفرق بين تحليل الأعمال وإدارة المشاريع؟
هناك تقاطع بين المجالين، لكن لكل منهما تركيز مختلف.
بشكل مبسط:
يمكن أن يعمل محلل الأعمال ومدير المشروع جنبًا إلى جنب، ويختلف توزيع المسؤوليات بحسب طبيعة المنظمة والمشروع.
ما المهارات التي يحتاجها محلل الأعمال؟
المحلل الجيد لا يعتمد على أداة واحدة، بل يحتاج إلى مجموعة متكاملة من المهارات.
- التفكير التحليلي: القدرة على تفكيك المشكلات وفهم العلاقات بين الأسباب والنتائج.
- طرح الأسئلة : السؤال الجيد قد يكشف معلومة تغير اتجاه المشروع بالكامل.
- التواصل: لأن المحلل يتعامل مع الإدارة والمستخدمين والعملاء والفرق التقنية وغيرهم.
- الاستماع: ليس المهم فقط ما يقوله أصحاب المصلحة، وإنما فهم ما يحتاجونه فعلًا.
- حل المشكلات: الانتقال من الأعراض إلى الأسباب ثم البحث عن الخيارات المناسبة.
- التيسير: إدارة ورش العمل والاجتماعات ومساعدة الأطراف المختلفة على الوصول إلى فهم مشترك.
- صناعة القرار: توفير معلومات وتحليلات تساعد على مقارنة الخيارات واتخاذ قرارات أكثر وضوحًا.
ما الأدوات التي يستخدمها محلل الأعمال؟
هناك عشرات الأدوات والتقنيات، ويختلف استخدامها بحسب طبيعة المشكلة والمرحلة التي يمر بها التحليل.
ومن أشهر الأمثلة:
المهم ليس معرفة أكبر عدد ممكن من الأدوات، وإنما معرفة:
أي أداة أستخدم؟ ولماذا؟ ومتى؟
أين تبدأ رحلة تحليل الأعمال؟
تحليل الأعمال ليس وظيفة فقط
من المهم للمبتدئ أن يعرف أن تحليل الأعمال ممارسة قبل أن يكون مسمى وظيفيًا.
قد يقوم به شخص يحمل مسمى:
Business Analyst
Business Process Analyst
Product Owner
Product Manager
Systems Analyst
Strategy Analyst
Consultant
وقد يمارس المدير أو رائد الأعمال بعض مهارات تحليل الأعمال دون أن يكون مسماه الوظيفي "محلل أعمال".
لأن جوهر المجال هو:
كيف تبدأ في تعلم تحليل الأعمال؟
إذا كنت مبتدئًا، فلا تبدأ بحفظ عشرات الأدوات والمصطلحات.
ابدأ بفهم المنطق الذي يقوم عليه المجال.
عندما تواجه مشكلة، درّب نفسك على ألا تقفز مباشرة إلى الحل.
اسأل:
- ما المشكلة؟
- ما الدليل على وجودها؟
- ما الوضع الحالي؟
- من المتأثر؟
- ما السبب الحقيقي؟
- ما الوضع الذي نريد الوصول إليه؟
- ما الخيارات المتاحة؟
- أي خيار يحقق أكبر قيمة؟
ثم ابدأ تدريجيًا في تعلم العمليات والأدوات والتقنيات التي تساعدك على الإجابة عن هذه الأسئلة.
أخطاء شائعة لدى المبتدئين
أبرزها الاعتقاد أن دور المحلل هو كتابة المتطلبات فقط، أو البدء بالحل قبل فهم المشكلة، أو الاعتماد على رأي صاحب مصلحة واحد، أو استخدام أداة لمجرد أنها مشهورة، أو جمع كمية كبيرة من المعلومات دون معرفة القرار الذي ستدعمه.
وهناك خطأ مهم آخر:
الخلط بين المخرج والقيمة.
إطلاق نظام جديد مخرج، أما تقليل وقت تقديم الخدمة من 20 دقيقة إلى 5 دقائق مثلًا فهو نتيجة قابلة للقياس يمكن من خلالها تقييم القيمة التي أحدثها التغيير.
الخلاصة
تحليل الأعمال يساعدنا على اتخاذ خطوة مهمة قبل البحث عن الحل:
أن نفهم ما الذي نحتاج إلى حله أصلًا.
ثم يساعدنا على فهم الوضع الحالي، وتحديد الاحتياجات، وتحليل المعلومات، ودراسة الخيارات، ودعم التغيير، وقياس القيمة الناتجة عنه.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يرافق محلل الأعمال ليس:
ما الحل الذي سننفذه؟
وإنما:
ما التغيير الذي نحتاج إليه، ولماذا، وما القيمة التي سيحققها؟
وهذه هي البداية الحقيقية لرحلة تحليل الأعمال.
مرجع | تحليل الأعمال طريقك لصنع القرار





تعليقات
إرسال تعليق